محمد أبو زهرة

3496

زهرة التفاسير

الصفة الثالثة - الرحمة ، وهي أوسع شمولا من الرأفة ، إذ إن الرحمة النبوية تكون بالكافة ، وقد يكون العقاب منافيا للرأفة ، وهو من مقتضيات الرحمة ، ألا ترى أن اللّه سبحانه وتعالى يقول في حد الزاني : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 2 ) [ النور ] . ونرى أن الرأفة قد تجافى العقاب أما الرحمة فإن العقاب ينبعث منها ؛ لأنه رحمة بالكافة ، وقد قال بعض الصحابة للنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم : أكثرت من ذكر الرحمة ، ونحن نرحم نساءنا وأبناءنا ، فقال : ما هذا أريد ، إنما أريد الرحمة بالكافة . كانت هذه الآية إخبارا بمقام الرسول من قومه ، وتنويه بالشريعة التي جاء بها ، ودعوة إلى اتباعه ، فمن اتبعه ، فقد اهتدى ، ومن لم يتبعه فقد تعرض للغواية وبعد عن الهداية ، ولذا قال تعالى : فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ( 129 ) . ( الفاء ) هنا لربط هذه الآية بسابقتها ، ترتيب أمر على أمر ، يعد نقيضا له ، فإن كون الرسول من أوسطهم نسبا ، وأنه عزيز عليه عنتهم ، وأنه رؤوف رحيم بهم كان يوجب عليهم أن يطيعوه ، فهو لا يمكن أن يكون في دعوته ما يضيرهم أو يشق عليهم ، بل فيه تنزيه لقلوبهم عن الشرك والضلال ، مع هذا إن تولوا - أي انصرفوا ، وهم معرضون ، وقد شبهت حال الإعراض الفكري ، بحال التولي الحسى ، لكمال معارضتهم للشرع ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فعل شرط جوابه : فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ أي إن لم يجيبوك فقل حسبي ، أي يكفيني أن يكون اللّه معي ، وهو صاحب الملك كله ، لا إله إلا هو ، فلا أعبد سواه .